عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

89

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

الأكام ، ورأى فيه الأبدال ، وتعبّد في الغيران ، وكان حصورا لا يأتي النّساء . وقال أبو بكر عتيق بن خلف التّجيبي : أخبرني أبو القاسم قريب أحمد بن نصر قال : مررت في يوم شديد الحرّ بالحجاز ، وإذا بشيخ جالس تحت أمّ غيلان « 1 » ، فسلّمت عليه فردّ علي السلام . قلت : ما أقعدك هاهنا ؟ قال : أطلب العيش . قلت : ليس [ هذا ] « 2 » موضعه هاهنا ، إن أردت العيش فعليك بالأرياف ، فقال لي : أخطأت الطّريق . قلت : وما العيش عندك ؟ قال : أن تكون جالسا ليس فيك جارحة إلّا وهي متعلّقة باللّه تعالى . قال أبو القاسم : اشتهيت إسفنجة بعسل فأقمت سنة وقد تاقت نفسي إليها ، فمررت بسماط القيروان ، وإذا بشابّ جالس على بابه ، فلما رآني سلّم عليّ وقال : أحب أن تدخل عندي ، فدخلت وقدّم إلي سفنجة وعسلا جلوليا أبيض في مثرد ، فأكلت حتى تمليت ثم طيّبني وخرجت من عنده وأنا واللّه ما أعرفه ، فمررت بصبيّ يلعب فرفع بصره « 3 » إليّ وقال : يا عم ، « سبحان من يجود بالنّعم على من يستحقّ النّقم » . وتوفي أبو القاسم سنة ست وستين وثلاثمائة وصلّى عليه أبو بكر الزويلي ، ودفن بالرّماديّة إلى جانب أحمد بن نصر الفقيه رحمهم اللّه أجمعين . 224 - ومنهم أبو السرا واصل بن عبد اللّه العابد رحمه اللّه : قال : كان من أهل الفقر ، والتّقشّف ، والجدّ والاجتهاد ، ولزوم الأسفار ، والتّغرّب عن الأوطان ، وكان يأوي إلى مسجد السّدرة بالقيروان يركع ويسجد فيه ، إلى صلاة العصر ، فإذا قيل له : ارفق بنفسك قال : أنا رجل مطالب مديان . أنشد بعض القرّاء وهو جالس هذه الأبيات : كأن رقيبا منك يدعو خواطري * وآخر يدعو ناظري ولساني فما نظرت عيناي بعدك منظرا * يسوءك إلا قلت قد رمقاني ولا خطرت في السر دونك خطرة * دراك إلا عرجا بفناني وأخوان صدق قد سمعت حديثهم * فأمسكت عنهم ناظري ولساني وما الدّهر أسلى عنهم غير أنني * وجدتك مشهودا بكل مكاني

--> ( 1 ) نوع من الشجر قصير يكون عادة في الصحراء . ( 2 ) زيادة من : ت . ( 3 ) في ت : رأسه .